المبشر بن فاتك
123
مختار الحكم ومحاسن الكلم
وقال : العشق طمع يتولّد في القلب ، ويجتمع فيه موادّ من الحرص . فكلما قوى زاد صاحبه في الابتهاج واللجاج وشدّة القلق وكثرة السهر ؛ وعند ذلك يكون احتراق الدم واستحالته إلى السوداء والتهاب الصفراء [ 24 ب ] وانقلابها إلى السوداء . ومن طغيان السوداء فساد الفكر ، ومن فساد الفكر تكون الفدامة ونقصان العقل ورجاء ما لا يكون وتمنّى ما لا يتم حتى يؤدى ذلك إلى الجنون . فحينئذ ربما قتل العاشق نفسه ، وربما مات غمّا ، وربما وصل إلى معشوقه فيموت فرحا . وقال : العلم كثير والعمر قصير ، فخذ من العلم ما بلّغك قليله إلى كثيرة . وقال « 1 » : إعطاء المريض بعض ما يشتهيه أنفع من أخذه بكل ما لا يشتهيه . أخبار فيثاغورس الحكيم ذكروا أنه كان يرى السياحة واجتناب مماسّة القاتل والمقتول ، وأنه أمر بتقديس الحواسّ وتعلّم « 2 » العمل بالعدل وجميع الفضائل ، والكف عن الخطايا ، والبحث عن العطية « 3 » الإنسية لتعرف طبيعة كل شئ . وأمر بالتّحابّ والتأدب بشرح العلوم العلوية ومجاهدة المعاصي وعصمة النفوس وتعلم الجهاد ، وإكثار الصيام ، والقعود على الكراسي والمواظبة على قراءة الكتب وأن يعلّم الرجال الرجال والنساء النساء . وأمر بجودة المنطق ومواعظ الملوك . - وكان يقول ببقاء النفس وكونها فيما بعد في ثواب وعقاب على رأى الحكماء الإلهيين . وكان له غذاءان : أحدهما لا يجوع معه ، والآخر لا يعطش معه . وكان قد ألزم نفسه عادة موزونة ، فلم يكن مرة صحيحا ومرة سقيما ، ولا كان مرة يسمن ومرة
--> ( 1 ) ابن أبي أصيبعة ( ج 1 ص 31 س 5 ) . ( 2 ) ص : وتعلم العلم وجميع . . . . ( 3 ) كذا ! ولعل صوابها : الطبيعة .